"ذات يوم كنت في حالة نفسية سيئة أتأفف من ضيق الحال، وأطالع في مجموعات الواتساب لعلي أقرأ شيئا ينسيني بعض همومي، وبينما كنت أتفحص الرسائل وجدت رسالة كان محتواها غريبا، عن شخص يحلف بالله أنه حصل على ما يتمنى بسبب مشاركة رسالة محددة وجدت فيها ضالتي وكل ما أردته، ومن دون تردد شاركتها مع مجموعة من أصدقائي على أمل أن يتحقق لي ما أردت، لكن للأسف لم يحدث ذلك".
بهذه الكلمات، يوضح حمود (اسم مستعار) كيف بات أحد ضحايا الرسائل المضللة التي تحتوي على معلومات دينية خاطئة، كأدعية أو أحاديث منسوبة للرسول، أو نصوص متعلقة بحدث ديني، ويتم تداولها بين الناس من خلال منصات التواصل الاجتماعي.
بحسب حمود، فإن أكثر ما جذبه لمشاركة الرسالة هو محتواها ووجود اسم ورقم هاتف، لشخص ادعى ناشرو الرسالة أنه حصل على ما يتمنى بسبب مشاركتها.
في هذا التقرير نرصد محتوى هذه الرسائل المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي في اليمن، ونكشف ما فيها من تضليل، فضلا عن أكاذيب متعلقة بتأثيرها، وبهوية من تضمنت الرسائل أسماءهم.
خلال أسبوعين من الرصد والمتابعة في الفترة الممتدة بين شهري حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو 2022 داخل عدد من مجموعات الدردشة على تطبيق "واتساب" يشارك بها معد التقرير، بالإضافة إلى البحث عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، الذي يعتبر أكثر مواقع التواصل شهرة في اليمن، تم رصد 33 منشورا يماثل المنشور الذي شاركه حمود. كان لـ "فيسبوك" النصيب الأكبر من الرسائل، إذ استقبلت المنصة ما نسبته 65 في المئة من الرسائل، ثم واتساب بنسبة 35 في المئة، وهذا لا يعني أن واتساب يعتبر الأقل من حيث انتشار مثل هذه المنشورات، لكن هذه النسبة هي للمنشورات التي رصدها معد التقرير في إطار ضيّق بالتطبيق ذاته، حيث يكون البحث في واتساب محدودا داخل المجموعات التي تم الاشتراك بها، بعكس باقي منصات التواصل التي تتيح البحث عن محتواها بشكل أوسع.
بتحليل محتوى هذه المنشورات، تبين أنها تحتوي على معلومات وقصص ذات طابع ديني، وكان أغلبها يطلب إعادة مشاركة نفس الرسالة مع عدد جديد من الأشخاص، باستخدام أسلوب الترهيب أحيانا كعبارة: "إذا أهملتها راح يصيبك سوء لمدة سنة"، أو "إذا أهملتها ستحزن حزنا شديدا". وتارة أخرى باتباع أسلوب الترغيب: "إذا نشرتها لعدد كذا أشخاص سوف تسمع غدا 9 أخبار تفرحك".
يضاف لذلك قصص لأشخاص ادعى ناشروها أنهم رأوا الرسول في المنام، يطلب منهم أن يبلّغوا المسلمين دعاء معيّنا، فمن ينشره يفرح فرحا شديدا ومن يتجاهلها يحزن حزنا شديدا.
لكشف حقيقة المنشورات، تم استخدام العديد من طرق التحقق ابتداء من التحليل المنطقي لمحتوى الرسائل والبحث المتقدم، وأيضا البحث العكسي للتحقق من الصور، ويمكن إيضاح حقيقة هذه الادعاءات من خلال الآتي:
في الرسالة المتداولة، برز عنصران يمكن التحقق منهما، اسم الشخص ورقم هاتفه. أول خطوة كانت بمحاولة التواصل مع الرقم أو صاحبه، إلا أن تلك الخطوة لم تكن سهلة، خاصة أن الرقم لم يكن متاحا لاستقبال المكالمات. ولكن بمحاولة التواصل لاحقا عبر تطبيق واتساب، تم الحصول على رد ينفي مصداقية هذه الرسالة المتداولة، قائلا في الوقت نفسه، إنه بات ضحية من ضحايا التضليل مع إدراج اسمه ورقم هاتفه في الرسالة ليتم تداولها على نطاق واسع. وكشف عن أنه تعرض للكثير من المضايقات بسبب تلك الرسالة، ما اضطره إلى عدم استخدام الرقم في المكالمات.
انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي منشور مزعوم منقول على لسان الداعية خالد الشاوي يروي أنه رأى الرسول، مع دعوة بالنشر لتصل إلى أعداد أكبر من رواد هذه المواقع. ظهر على تويتر تغريدة تعود إلى العام 2017 لحساب باسم خالد الشاوي ينفي فيها ما نسب إليه، واصفا إياها بأنها "رسالة كذب وافتراء وبدعة منكرة وخرافة مختلقة".
انتشرت على إحدى صفحات فيسبوك قصة على لسان الداعية عبد الله بانعمة ووضعه الصحي (مشلول)، عن شخص حالته أسوأ بكثير من حالة الداعية. وسبق لـ بانعمة أن تحدث عن هذه الحالة عبر مقابلة تلفزيونية ، لكن التضليل حدث باستخدام صورة مضللة، وهو ما كشفه الجزء الثاني من التحقق من خلال البحث العكسي عن الصورة المرفقة في المنشور، إذ أن الصورة المستخدمة تعود لرجل الأعمال السعودي سلطان العذل.
من الصعوبات التي تم مواجهتها أثناء تدقيق الرسائل التي تحمل الصبغة الدينية، أن عددا منها لا يحمل معلومات محددة، بل مجرد أدعية أو روايات، إلا أن العدد الأكبر منها احتوى على أسماء أشخاص أو أرقام هواتف، أو أحاديث منسوبة للرسول، بما يقارب 79 في المئة من مجموع ما تم رصده، كما يوضح الشكل البياني أدناه.
عند تتبع أساليب التضليل التي تحمل الصبغة الدينية، نجد أنها ليست جديدة في اليمن، وإن بدت بصورة مختلفة لتواكب منصات التواصل التي ساهمت في انتشارها بين اليمنيين.
يحكي غيلان (اسم مستعار) عن تجربته مع التضليل الذي يحمل الصبغة الدينية، في مطلع الألفية الثالثة:
"كنت أذهب نهاية كل أسبوع إلى سوق المنطقة الذي توجد فيه مكتبة معظم كتبها إسلامية، وأنا أطالع الكتيبات الدينية لانتقاء ما قدرت على شرائه، وقع نظري على تلك الصورة المرسومة على ورقة، وكان هناك تعليق أسفلها يوضح أنها فتاة تحولت إلى شكل قرد بسبب تعديها على القرآن، وأن الحادثة وقعت في سلطنة عُمان، لم اشترِ الكتب التي كنت أبحث عنها وطلبت من صاحب المكتبة أن ينسخ لي مجموعة من تلك الصور بما لدي من فلوس كنت أدخرها من مصاريفي لشراء الكتب".
ويضيف: "قلت في نفسي حينها إنها موعظة بليغة ومعجزة ربانية يجب أن تبلغ الأفق، وبعد عودتي إلى القرية قلت: هذه القصة يجب أن توزع بين جمع كبير، ولا شك أن يوم الجمعة هو المناسب للتوزيع، وبعد خطبة وصلاة الجمعة تقدمت إلى المحراب وألقيت موعظة للمصلين وبعدها قمت بتوزيع النسخ عليهم". لم يكن غيلان وحده المتأثر بتلك القصة المفبركة، التي أصبحت حديث معظم الناس في الريف والحضر حينها. ومن كان يشكك في صحة تلك الواقعة كان الناس يسخرون منه، أو يصفونه بالخارج عن الملة "الدين"، كما يقول أحمد دبوان عن قصة الفتاة المتحولة إلى شكل قرد: "كثير من شباب المدارس والأهالي صدقوا تلك الحادثة، أما أنا ومجموعة صغيرة لم نصدق ذلك فسخروا منا، واعتبرونا خارجين عن الملة كوننا بحسب قولهم، غير مؤمنين بقدرة الله في خلق الأشياء وتحويلها إن أراد". ومن خلال البحث العكسي حول حقيقة الصورة، فهي تعود للعام 2003، وهي واحدة من أعمال الفنانة الأسترالية باتريسيا بيتشينيني Patricia Piccinini التي تجسد من خلالها أشكال التلاعب الجيني من خلال منحوتات لكائنات هجينة بين الإنسان والحيوان.
يتم تداول هذه الرسائل بشكل كبير بين الناس من خلال مختلف وسائل التواصل، خاصة عبر مجموعات واتساب، لكن إثبات ذلك بشكل دقيق سيكون صعبا -خاصة عبر تطبيق واتساب- نظرا لخصوصية البحث داخل التطبيق. وعليه، فإن دراسة المنشورات (23 منشورا) على فيسبوك أفضت إلى إظهار أن هذه المنشورات تحصل غالبا، على مئات الإعجابات "لايك" تليها من حيث العدد المشاركات "share"، ما يعني توسعا وانتشارا أكبر لها، فيما جاءت التعليقات في المرتبة الأخيرة من حيث التفاعل.
"هذه الرسائل المغلوطة المتداولة تؤثر بشكل سلبي على المجتمع"، كما تصف أستاذة علم الاجتماع في جامعة تعز ذكرى العريقي. وتشير إلى أن نشر مثل هذه الرسائل في المقام الأول يعمل على تشويه الدين، لأنها تعارض المنطق، وتظهر كأننا نعيش في عالم "الميتافيزيقا"، مضيفة أن مجرد نشر رسائل تحقيق الأماني من دون أي مجهود يعمل على تكريس الجهل.
وتعتبر العريقي أن ما يساهم في انتشار تلك الرسائل هو العامل الديني بداخلها، خاصة أن المجتمع يغلب عليه الجانب العاطفي، وينظر إلى كل ما ينقل عن الدين بأنه صحيح وغير قابل للمناقشة.
وتعكس التفاعل مع المنشورات ما تقوله العريقي، فأغلب التفاعل كان بالتعليق عليها باستخدام عبارات تكشف عن قبول الجمهور لهذه الرسائل كقولهم: "سبحان الله"، أو "يا رب"، إلا أن عددا أقل تفاعل سلبا مع هذه المنشورات، مشككا في صحتها.