الأمل والتعاون والابتكار: أبرز محطات المؤتمر العالمي الثالث عشر لتدقيق المعلومات

فيلنيوس، ليتوانيا
17–19 حزيران/يونيو 2026
استضافت العاصمة الليتوانية فيلنيوس النسخة الثالثة عشرة من مؤتمر GlobalFact، أكبر تجمع عالمي لمدققي/ات المعلومات، بمشاركة أكثر من 300 مدققاً/ة وصحفيآ/ة وباحثاً/ة وخبيراً/ة في نزاهة المعلومات من مختلف أنحاء العالم. المؤتمر الذي نظمته الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات (IFCN) بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه الصحافة المستقلة مع تصاعد حملات التضليل وتنامي تأثير الذكاء الاصطناعي على المشهد الإعلامي.
وعلى مدار ثلاثة أيام، شكل المؤتمر منصة لتبادل الخبرات ومناقشة أحدث التحديات والفرص في مجال تدقيق المعلومات، مع التركيز على تطوير أدوات وأساليب العمل لمواجهة التهديدات المتسارعة التي تستهدف الفضاء المعلوماتي العالمي.
حضور عربي صغير وفاعل
افتتحت مديرة الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات (IFCN) أنجي هولن كلمة المؤتمر بلحظة صمت على استشهاد الزميلة في منصة صواب في لبنان آلاء سلمان بغارة اسرائيلية استهدفت منزلها في جنوب لبنان. وأصدرت IFCN لاحقاً بيان استنكار حول مقتل آلاء.
منصة صواب، بالإضافة إلى منصات أريج (الأردن)، مهارات (لبنان)، كاشف (فلسطين)، هي تتحقق وأنير (ليبيا)، بي.ان.شيك (تونس) وأخبار ميتر (مصر)، هي جزء من مجتمع الشبكة العربية لمدققي المعلومات الحاصل على اعتماد الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات (IFCN).
وشاركت شبكة أريج والشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN) بوفد ضم المديرة العامة لأريج روان الضامن، ومديرة الشبكة سجى مرتضى، إلى جانب مدققي/ات المعلومات رباب علوي من تونس، وأمين العطلة من الأردن، ومحمد طلبة من مصر، وياسمين لعبي من المغرب. كما حضر من مجتمع الشبكة العربية لمدققي المعلومات ليال بهنام من لبنان ورهام عيطة من فلسطين وغياث الجندي من سوريا.
وشهدت المشاركة العربية، رغم محدودية العدد، تفاعلاً واسعاً مع المؤسسات وشبكات تدقيق المعلومات الإقليمية، من خلال تبادل الخبرات وبحث فرص التعاون في التحقيقات العابرة للحدود ومبادرات رصد المعلومات المضللة واهتماماً من المدققين/ات غير العرب بتجارب المنطقة العربية.
الذكاء الاصطناعي بين الفرص والمخاطر
هيمنت قضية الذكاء الاصطناعي على جانب كبير من نقاشات المؤتمر، حيث استعرض المشاركون/ات إمكانات هذه التقنيات في دعم عمليات البحث والتحليل والترجمة، وما يمكن أن تقدمه من أدوات مساندة لمدققي/ات المعلومات.
في المقابل، حذر المتحدثون/ات من الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مضلل شديد الإقناع، يشمل الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية المزيفة، مؤكدين/ات أن التحدي لم يعد يقتصر على كشف المعلومات الخاطئة، بل يمتد إلى مواكبة سرعة إنتاجها وانتشارها.
التضليل وحروب المعلومات
حظيت قضايا التضليل المنظم وعمليات التأثير الأجنبية باهتمام خاص خلال المؤتمر، لا سيما في ظل السياق الجيو سياسي الذي تعيشه المنطقة الأوروبية.
وتطرقت جلسات عدة إلى شبكات النفوذ الروسية وأساليب التلاعب الرقمي والحملات المنسقة لنشر المعلومات المضللة، مع استعراض أدوات وتقنيات تُستخدم في تتبع هذه الأنشطة وكشفها.
وأكد المشاركون أن التضليل الإعلامي بات جزءًا من صراعات سياسية وجيوسياسية أوسع، تتجاوز نشر الأخبار الكاذبة إلى التأثير في الثقة العامة وتشكيل الرأي العام.
الاحتيال الرقمي.. تهديد متنامٍ
خصص المؤتمر مساحة مهمة لمناقشة الانتشار المتسارع لعمليات الاحتيال الإلكتروني، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتحال الشخصيات العامة.
وعرض باحثون ومدققو معلومات نماذج لعمليات احتيال استندت إلى إعلانات مزيفة لمشاهير أو عروض استثمارية وهمية أو هويات رقمية مُفبركة، فيما ناقش المشاركون آليات رصد هذه الأنماط مبكراً وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطرها.
الوصول إلى الجمهور بطرق جديدة
في ظل التغير المستمر في عادات استهلاك الأخبار، ركزت جلسات عديدة على أهمية تطوير أساليب التواصل مع الجمهور، خاصة عبر المنصات الرقمية.
وسلط المتحدثون الضوء على الدور المتنامي لمقاطع الفيديو القصيرة على منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب في إيصال المحتوى التحققي إلى فئات أوسع، مؤكدين أن تبسيط الرسائل لا يعني التخلي عن الدقة المهنية، بل تقديم المعلومات بطريقة أكثر جاذبية وسهولة للفهم.
تحديات الاستدامة ومستقبل القطاع
برزت الاستدامة المالية كمحور أساسي في النقاشات، في ظل التحديات التي تواجهها مؤسسات تدقيق المعلومات حول العالم مع تراجع الموارد وتزايد الحاجة إلى المعلومات الموثوقة.
وتناول المشاركون نماذج تمويل مبتكرة وفرص الشراكات المهنية وآليات الحفاظ على الاستقلالية التحريرية، بما يضمن استمرارية عمل المؤسسات على المدى الطويل.
كما أكد المؤتمر أهمية التعاون الدولي وتبادل الأدوات والخبرات بين المؤسسات العاملة في مختلف المناطق الجغرافية لمواجهة التحديات المشتركة.
مشاركة أريج والشبكة العربية لمدققي المعلومات
شاركت الشبكة العربية لمدققي المعلومات في البرنامج الرسمي للمؤتمر من خلال جلسة بعنوان “كيف يحدد مدققو/ات المعلومات العرب أولويات التحقق؟”، قدمتها مديرة الشبكة سجى مرتضى بالتعاون مع الباحث الزائر في جامعة وستمنستر بيتر كونليف-جونز.
واعتمدت الجلسة على نتائج دراسة وتدريب نظمته الشبكة عام 2025، تناولت المعايير التي يستند إليها مدققو/ات المعلومات عند اختيار الادعاءات التي تستحق التحقق، بما في ذلك حجم الضرر المحتمل، وتأثيرها على المصلحة العامة، وقيمتها في تعزيز المساءلة.
كما شاركت أريج في جلسة “تهديد الذكاء الاصطناعي: اقتصاد الإجابات ومسارات الفوضى”، حيث استعرضت المديرة العامة لأريج روان الضامن جهود المؤسسة في تعزيز الوعي بالذكاء الاصطناعي واستخدامه المسؤول بين الصحفيين/ات ومدققي/ات المعلومات في المنطقة العربية، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالتحقيق في التحديات المرتبطة بالتقنيات الناشئة.
وتحدثت الزميلة رباب علوي من منصة “بي.ان.شيك” في تونس في جلسة “المناخ والبيئة: ردم الفجوة بين الإنكار والمماطلة”، كما تحدثت الزميلة ليال بهنام من منصة “مهارات” في لبنان، في جلسة حول تدقيق المعلومات في مناطق الصراع إلى جانب زملاء من إيران وأوكرانيا وباكستان.
جائزة تدقيق المعلومات الدولية
شهد المؤتمر الإعلان عن الفائزين بجوائز Global Fact-Checking Awards التي تحتفي بالمشاريع والمبادرات الأكثر تأثيراً وابتكاراً في مجال مكافحة المعلومات المضللة.
وفازت مؤسسة Pravda Association البولندية بجائزة التأثير، فيما حصلت EFE Verifica الإسبانية على جائزة أفضل صيغة إبداعية، ونالت TjekDet الدنماركية جائزة التعاون، بينما ذهبت جائزة “المعيار الذهبي” إلى International Centre for Investigative Reporting / FactCheckHub في نيجيريا.
كما وصل تحقيق أريج “العاصفة الالكترونية: حسابات نفطية تقود حملة معلومات مضللة عن تغير المناخ” إلى القائمة النهائية لجائزة “المعيار الذهبي”، ليكون المرشح العربي الوحيد ضمن جميع فئات الجوائز.
أصوات من GlobalFact 13
عكست شهادات المشاركين/ات من الشبكة العربية لمدققي/ات المعلومات من أريج، أهمية المؤتمر بوصفه مساحة للتعلم والتواصل وبناء الشراكات المهنية.
“بعد سنوات من متابعة GlobalFact عن بُعد، شكّلت المشاركة هذا العام تحقيقاً لهدف مهني طال انتظاره. فقد منحتني الأيام الثلاثة التي قضيتها مع مئات المدققين من أنحاء العالم طاقة جديدة وأفكاراً ملهمة لتطوير عملي في مجال التحقق وتدقيق المعلومات”.
ياسمين لعبي (المغرب)
“كانت مشاركتي الأولى في GlobalFact تجربة ثرية للغاية. فإلى جانب الجلسات وورش العمل، أتيحت لي فرصة التواصل مع زملاء من خلفيات ودول مختلفة. وأكد لي المؤتمر أن الأثر الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال التعاون وتبادل المعرفة والتضامن المهني”.
محمد طلبة (مصر)
“ذكرني GlobalFact 2026 بأن الأمل لا يزال قائمًا، وأن هناك من يواصل البحث عن الحقيقة. لقد عزز لقائي بمدققي معلومات وصحفيين من مختلف أنحاء العالم قناعتي بأهمية العمل الذي نقوم به في المنطقة العربية، خاصة في ما يتعلق بتوثيق الحقائق وفهمها بشأن غزة ولبنان. شكراً للشبكة العربية لمدققي المعلومات من أريج على هذه الفرصة”.
أمين العطلة (الأردن)
“أكدت لي مشاركتي في GlobalFact حقيقة بسيطة: إن مواجهة التضليل المرتبط بالمناخ هي معركة من أجل المساءلة والأدلة وحق المجتمعات في اتخاذ قرارات مبنية على الحقائق لا على التلاعب. فعندما تُشوَّه السرديات المناخية لأغراض سياسية، لا يقتصر الثمن على تراجع الثقة العامة، بل يمتد إلى تأخير الاستجابة لأزمة تمس ملايين البشر”.
رباب علوي (تونس)
نحو المرحلة المقبلة
“لا تستسلموا أيها الزملاء مدققو/ات المعلومات. استريحوا إن احتجتم إلى ذلك، لكن لا تتوقفوا“. تقول مديرة الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات (IFCN) آنجي هولن.
ورغم تعقيد المشهد المعلوماتي العالمي، وما يرافقه من تضليل مدعوم بالذكاء الاصطناعي وحملات تأثير منظمة وعمليات احتيال رقمية متطورة، أظهر GlobalFact 13 أن مجتمع تدقيق المعلومات لا يزال قادراً على الابتكار والتعاون والتكيّف.
وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى المعلومات الموثوقة، يواصل المؤتمر ترسيخ مكانته كمنصة عالمية تجمع العاملين في هذا المجال للدفاع عن الحقائق وتعزيز الصحافة القائمة على الأدلة.
