تخليداً لذكرى الصحفية ومدققة المعلومات اللبنانية آلاء سلمان

كانت آلاء حيدر سلمان صحفيةً ومدققة معلومات لبنانية شابة عملت مع منصة “صواب“، وهي مؤسسة متخصصة في تدقيق المعلومات في لبنان. قُتلت آلاء إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزل عائلتها في أيار/مايو 2026.
وُلدت آلاء في 16 آذار/مارس 2006 في بلدة معركة بقضاء صور في جنوب لبنان. وقد أجمع كل من عرفها على ذكائها، وقوتها الهادئة، وإحساسها العميق بالمسؤولية. وكان أفراد عائلتها وأصدقاؤها يلجؤون إليها كلما احتاجوا إلى نصيحة أو دعم.
تقول صديقتها في الجامعة، فاطمة: “لن أنسى أبداً مدى دعم آلاء لي في جميع مراحل حياتي. كلما احتجت إليها، كانت دائمًا إلى جانبي، وقد علمتني معنى تحمل المسؤولية”. أما شقيقتها إسراء فتصفها بأنها “وفية، وفاضلة، وطيبة، وهادئة، ورحيمة، وطموحة، ومليئة بالأحلام”، مضيفةً: “الكلمات لا تكفي لوصف من كانت عليه”.
الحياة الشخصية وشغف القراءة
كانت العائلة محور حياة آلاء. فقد كانت تساعد إخوتها في دراستهم، وتعتني بجدتها إلى جانب أبناء عمومتها، وتخصص كل يوم خميس لقضاء الوقت معها. ويتذكرها كل من عرفها كشخص جعل من حوله يشعرون بقيمتهم من خلال لطفها وتواضعها وتعاطفها. تقول إسراء: “كانت آلاء أغلى إنسانة في حياتي. كنت دائماً أخبرها بأنها تنجح في كل ما تقوم به، وأن الله سيحفظها دائماً، وكانت تكتفي بابتسامة خجولة”. أما صديقتها مريم فتتذكرها قائلة: “كانت أكثر نضجاً من عمرها، هادئة، وعميقة التفكير بشكل استثنائي. وكل حديث معها كان يكشف عن عمق نظرتها إلى الحياة”.
كانت القراءة الشغف الأكبر في حياة آلاء، ونادراً ما كانت تُرى في طريقها إلى الجامعة من دون كتاب بين يديها. ومن بين رواياتها المفضلة “ثم لم يبقَ أحد” لأغاثا كريستي، و”عدّاء الطائرة الورقية” و”ألف شمس ساطعة” لخالد حسيني. ولم يقتصر حبها للأدب على القراءة، إذ نُشر لها مقالان في مجلة PU Times، وهي المجلة الطلابية في جامعتها فينيسيا.
وكان لديها شغف خاص باللغات، ولا سيما اللغة العربية، وكانت تحلم بدراسة الأدب العربي بعد إنهاء دراستها الجامعية. كما كانت من عشاق كرة القدم، وتشجع المنتخب البرتغالي، وتكن إعجاباً كبيراً بكريستيانو رونالدو. وكانت أيضاً محبة للطبيعة، وتستمتع بتصوير الزهور، وهو شغف انعكس بوضوح في حسابها على إنستغرام.
التعليم والتفوق الأكاديمي
تميزت المسيرة التعليمية لآلاء بالتفوق الأكاديمي؛ فقد حلت في المرتبة الأولى على مستوى لبنان في امتحانات الثانوية العامة فرع الآداب والإنسانيات عام 2023، وظلت طوال دراستها الجامعية ضمن قائمة الشرف. وبصفتها نائبة رئيس جمعية الاتصال والإعلام الاجتماعي في جامعة فينيسيا، ساهمت في تنظيم الأنشطة والفعاليات الطلابية. وتقول إسراء: “كانت كتاباتها مميزة بحق. وكلما وافقت على أن تقرأ لي شيئاً، كنت أشعر بالحماس. وفي الحقيقة، كانت آلاء هي من شجعني على القراءة، حتى أصبحت من أحب العادات إلى قلبي”.
مسيرتها المهنية في الصحافة
وبالتوازي مع دراستها، كانت آلاء تقدم دروساً خصوصية، وتدير حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لإحدى صفحات الإرشاد النفسي، كما بدأت مسيرتها الصحفية عبر زمالة في مؤسسة “صواب”، وسرعان ما أصبحت عضواً أساسياً في غرفة الأخبار. ويتذكرها زميلها في “صواب” فؤاد بقوله: “كانت آلاء من أفضل الكتّاب في صواب. سأظل أتذكر كل سؤال طرحته، وكل جهد بذلته، وكل ما أظهرته من إخلاص. لن تعود صواب كما كانت من دونك يا آلاء”.
الإيمان والقيم الشخصية
كان الإيمان يشكل ركيزة أساسية في حياة آلاء. فقد كانت تحافظ على الصلاة، وتصوم أشهر رجب وشعبان ورمضان، وأتمت دورات في تلاوة القرآن الكريم، والتجويد، والحفظ، وتفسير القرآن. وكانت سورة مريم هي السورة الأقرب إلى قلبها. وحتى في أصعب أيام الحرب، أنهت دورة في تفسير القرآن وحصلت على شهادتها.
ذكريات لا تُنسى
ولا يزال المقربون منها يحملون ذكراها في قلوبهم. فإسراء لا تتذكر أختاً فحسب، بل أقرب رفيقة لها، وتقول: “بعد صلاة الفجر، كنت أنا وآلاء وأمي نجلس معاً لساعات. أشتاق إلى تلك العادة كثيراً. طوال الحرب، كان كل ما يشغلها هو كيفية مساعدة عائلتنا. وعندما كانت في المستشفى، كتبت لها رسائل لأهديها إياها بعد شفائها، لكن ذلك اليوم لم يأتِ أبدًا. لم تكن أختي فقط، بل كانت صديقتي المفضلة، وروحي، وملاذي الآمن”.
وتتذكر مريم أن آلاء رفضت مغادرة جنوب لبنان طوال الحرب رغم المخاطر. وتقول: “كانت تردد دائمًا: “إذا غادرنا جميعاً، فمن سيبقى؟”. وكان آخر حديث بينهما في اليوم الذي تعرض فيه منزلها للقصف. “كنا نمزح بشأن امتحانها القادم. أما الرسائل التي أرسلتها إليها بعد ذلك، فلم تصل إليها أبداً. سأحمل هذا الألم ما حييت”.
أما فاطمة فتتذكر صداقة بدأت منذ اليوم الأول في الجامعة ولم تنقطع. وتقول: “علمتني المسؤولية من خلال القدوة التي كانت تقدمها. كنت قد أعددت لها هدية خاصة بمناسبة عيد ميلادها، لكنني لم أحصل على فرصة لتقديمها لها. كانت آلاء روحاً جميلة بحق، وستبقى حية في قلبي إلى الأبد”.
وتقول دانا، وهي صديقة مقربة أخرى، إن آلاء كانت تؤمن بعمق بأن أبناء جنوب لبنان هم الأجدر بسرد قصصهم بأنفسهم. وتضيف: “علمتني ألا أحكم على الناس بسرعة، بل أن أمنحهم فرصة أولًا. وحتى خلال الحرب، كانت تمزح باستمرار لتخفف من قلقنا. ومن أحب ذكرياتي معها أحاديثنا في مصلى الجامعة، حيث كنا نتشارك أحلامنا. ورغم أن شيئًا سيظل ناقصًا من دونها، فإن معرفتي بأنها تنعم بالسلام تمنحني بعض السكينة”.
المأساة الأوسع ودعوة لمحاسبة إسرائيل على قتل الصحفيين
ويأتي مقتل آلاء ضمن مأساة أوسع بكثير تواجه الصحفيين/ات في لبنان. فبحسب مركز عمليات طوارئ الصحة العامة في وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الهجمات الإسرائيلية على لبنان، بين 2 مارس/آذار و1 يوليو/تموز 2026، عن مقتل 4,297 شخصاً وإصابة 12,196 آخرين. كما يقدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) أن نحو 1.4 مليون شخص، أي أكثر من 20% من سكان لبنان، قد نزحوا من منازلهم، بينهم نحو 16 ألف امرأة حامل يواجهن صعوبات متزايدة في الوصول إلى الرعاية الصحية والحماية. ووفقاً لوزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، فقد أتاح وقف إطلاق النار الحالي، حتى أوائل تموز/يوليو 2026، عودة نحو 400 ألف شخص إلى منازلهم.
كما تكبد الوسط الإعلامي اللبناني خسائر فادحة. فبحسب لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، قُتل ما لا يقل عن 16 صحفياً لبنانياً في استهدافات إسرائيلية منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، من بينهم مؤخراً المراسلان فاطمة فتوني وعلي شعيب في 28 آذار/مارس 2026، والصحفية آمال خليل في 22 نيسان/أبريل 2026.
وفي تعليقها على هذه الخسائر، قالت روان الضامن، المديرة العامة لشبكة أريج: “استهدفت إسرائيل الصحفيين في فلسطين ولبنان لعقود، لكن خلال الأشهر الثلاثين الماضية أصبح هذا الاستهداف واسع النطاق ومنهجياً. يجب أن يتوقف ذلك فوراً. لم تعد عبارات التعاطف وتقديم التعازي كافية. يجب على الصحفيين في جميع أنحاء العالم أن يتحدوا ليعلنوا أننا لا نقبل استهداف زملائنا. ينبغي أن تكون هذه الأولوية الأولى لكل مؤسسة إعلامية. فإذا أخفقنا في رفع صوتنا الجماعي، فإننا نجازف بترسيخ سابقة خطيرة. إذ سترى دول أخرى وجهات من غير الدول أن الصحفيين يمكن أن يُقتلوا من دون مساءلة، وستستنتج أنه لا تترتب على ذلك أية عواقب”.
